حكم الموسيقى في الإسلام

Published at 2026-04-30
Updated within 7 days Language not supported إسلامفقهتأويل

الحكم الشرعي للموسيقى حسب الكتاب والسنة والسلف الصالح

حالي قبل الإسلام

مازلت أذكر أيام طفولتي، عندما كنت من أشد الناس إدمانا على الأغاني و الموسيقى ومع ذلك كنت أحب الله تعالى رغم أني لا أصلي، وكنت أشد عنادا مع من يأمرني بترك الموسيقى و المحافظة على الصلاة، أنا رجل منطقي كما يقولون منذ طفولتي ولا أنصح بهذا المصطلح فهو دخيل على كلام العرب، فالمنطق عند العرب هو اللغة كما قال سليمان عليه السلام: "علمنا منطق الطير"، يعني كل من أمرني بالتدين أعرض ذلك على عقلي، إن قبله فنعم، وإن لم يقبله فلا، فلم أكن أقبل كل من يدعوني إلى ترك اللهو وهو الموسيقى عند العرب، بل كنت أترك الصلاة أيضا لأن عقلي يعمل كالحاسوب، إذا كان الأمر الأول لا يدخل عقلي، فصاحب هذا الأمر غير عاقل، إذا فالأمر الثاني غير صحيح.

فقد كنت أعيش كالملحد، أو نصف مسلم، توحيد وصيام وعفة عن الحرام بلا صلاة، بل المصيبة الكبرى هي كنت أظن أني مسلم رغم تركي للصلاة فقط لأني كنت أحب الله تعالى وأدعوه دائما وهذا من خداع الشيطان، حتى من الله علي بالهداية، التي كانت من الله أولا ودعائي ثانيا، حتى استقمت على دين الله كما شرعه الله ولم أترك الصلاة منذ ذلك الحين ولم استمع إلى اللهو، والفضل يرجع لله وحده، يهدي من يشاء ويضل من يشاء.

فبدأت بطلب العلم كي أعبد الله على بصيرة، فلا عبادة بلا علم، فما مررت بأية من كتاب الله إلا وعملت بها ما استطعت، وما مررت بحديث مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وعملت به ما استطعت. فلم أجد أيسر من شريعة الله تعالى، لكن الشيطان قبل ذلك كان يشدد علي أمر الدين لأراه كأنه جبل سأحمله فوق ظهري، فهذة غايته العظمى من بني آدم، ينفرهم من دين الله ليكفروا بالله حتى يدخلوا جهنم والعياذ بالله.

حالي بعد ترك الموسيقى

كما قلت سابقا، لم أجد أيسر من شريعة الإسلام، إلا أمر واحد وهو حبي السابق للأغاني والموسيقى، فقد شق علي الأمر و ترك في قلبي فراغا كبيرا، فاحتسبت صبري لله وملأت هذا الفراغ بسماع كلام الله تعالى، حتى صرت مدمنا على سماع القرآن بأجمل التلاوات، لم ينسيني هذا حبي للهو، ولم أفهم لماذا أكثر العلماء يحرمون اللهو. لكن كنت أعمل بكلامهم دون أن أعرض المسألة على عقلي، لأنهم علماء وأنا مازلت أطلب العلم. وهم لا يتكلمون عن فراغ بل من كلام الله ومما صح عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا يجوز لي استعمال عقلي في الحكم على مسائل الدين وأنا لم أبلغ من العلم ما يكفي لذلك. فقد استعملت عقلي سابقا فلم أكن من المصلين وكنت سأكون من أهل النار لولا فضل الله تعالى علي ورحمته، أسأل الله لي ولكم الفردوس الأعلى.

حالي بعد طلب العلم

بدأت رحلتي في طلب العلم وأنا شاب في العشرينيات من عمري، وددت لو أن لي شيخا أتعلم منه الأدب قبل العلم، فأخد العلم من الكتب كالسيف ذو الحدين، قد تأخد العلم بلا أدب، قد تسيء الفهم ببعض المسائل، قد تتأخر عن العلم لأن هذا العالم الذي تأخد منه لا يعيش في زمانك أو مكانك، فأفضل سبيل للطلب العلم هو الجلوس بين يدي عالم، لكننا نعيش في زمن مختلف، تنظر يمينا فلا ترى عالما، تنظر شمالا فلا ترى عالما، أخشى أن يقترب الزمان الذين أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حين يرفع العلم فلا تجد عالما.

فقضيت وقتا طويلا فقط لأعرف ممن آخد منه ديني، كما يقولون إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخدوا دينكم. فاستعنت بالله تعالى كي لا أضل عن الصراط المستقيم، حتى تعرفت على علماء أهل السنة و الجماعة، كالشيخ أبو إسحاق الحويني رحمه الله، والشيخ مصطفى العدوي حفظه الله، والشيخ بن عثيمين وابن باز و الألباني رحمهم الله وغيرهم من خيرة علماء أهل السنة و الجماعة، فاستمعت شرائطهم وقرأت كتبهم متوكلا على الله ألا أضل وألا أخرج على الفهم الصحيح، فمن اعتمد على عقله ضل، ومن اعتمد على الله هداه إلى صراطه المستقيم، لهذا شرع لنا ترديد سورة الفاتحة في كل ركعة ولا تصح الصلاة إلا بها.

حينها علمت لماذا العلماء يحرمون الموسيقى، فهم أيضا لا يعرضون المسائل على عقولهم بل يستندون إلى كلام الله تعالى و ما صح من كلام سيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكل من تكلم في الدين وهو خارج عن هذين الأصلين فكلامه مردود، ولو ظهر في الشاشات أو صعد المنابر أو ألف الكتب، فقد تسمع الحق من جاهل إذا كان كلامه موافقا للشريعة، وقد تسمع الباطل من عالم إذا كان كلامه يخالف الشريعة، وهذا نادر، لكن فقط لتعرف أن مرجعنا في الدين هو الكتاب و السنة أما العلماء حفظهم الله فليسوا معصومين من الخطأ، وزلاتهم تغتفر، ونحبهم في الله رغم زلاتهم ولا غنى لنا عنهم، لولا العلماء ما فهمنا ما لنا وما علينا، بل لولا العلماء لعشنا كالبهائم أو أسوء من ذلك، والله المستعان.

أكثر علماء أهل السنة و الجماعة يفتون بحرمة الأغاني و الموسيقى ويستدلون بهذا الحديث في صحيح البخاري، يقول النبي صلى الله عليه وسلم "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ"، ويستدلون بهذه الأية من كتاب الله "﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشتَري لَهوَ الحَديثِ لِيُضِلَّ عَن سَبيلِ اللَّهِ بِغَيرِ عِلمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُم عَذابٌ مُهينٌ﴾ [لقمان:6]" وهناك دليل ثالث من سنة النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : "عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا زَفَّتِ امْرَأَةً إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا عَائِشَةُ مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ"‏‏.‏

فالذين يحرمون الموسيقى إطلاقا إنما يستندون إلى الدليل الأول و التاني فقط، مهملين الدليل الثالث وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، إما بسبب عدم فهمهم لهذا الحديث أو لتعذر أو سوء جمعهم بين الأدلة الثلاث أو لاختلاف الفهم بينهم، والمسألة ليست بالهينة عندما تتعارض الأدلة، فحكم الموسيقى لا يكون صحيحا مقبولا من أي عالم حتى يجمع جمعا صحيحا بين الأدلة الثلاث المتعارضة، وإلا سيكون حكمه مردودا ولو استدل بالحديث الأول و الأية، لأنه لم يدرج في حكمه دليلا آخر صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم، أسأل الله عز وجل أن يوفقني للجمع بين هذه الأدلة والخروج بجواب شافي كافي لحكم اللهو أو ما يسمى في عصرنا بالموسيقى.

حكم الموسيقى (اللهو)

لدينا ثلاث أدلة، أية من كتاب الله وحديثين صحيحين من صحيح البخاري رحمه الله: "﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشتَري لَهوَ الحَديثِ لِيُضِلَّ عَن سَبيلِ اللَّهِ بِغَيرِ عِلمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُم عَذابٌ مُهينٌ﴾" "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ" "عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا زَفَّتِ امْرَأَةً إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:‏ يَا عَائِشَةُ مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ‏"

سأنبئكم بتأويل ذلك كله، مستعينا بالله، "ومن الناس" أي ليس كل الناس، والمقصود هنا هم الكفار وذلك واضح من الآية والتي بعدها، أما المسلم المستقيم على شريعة الله فلا يصدر منه هذا، "يشتري" أي يبذل ماله، "لهو الحديث" وهو الغناء وليس المعازف فقط، "ليضل عن سبيل الله" أي يدعو الناس إلى الشرك أو الكفر أو كبائر الذنوب عبر الغناء، كالذي ينتج الأغاني لدعوة الناس للكفر أو اعتناق المسيحية أو اليهودية أو شرب الخمر أو الزنا أو غير ذلك من كبائر الذنوب، "بغير علم" أي عن جهل لأن الله قد ختم على قلب الكافر، "ويتخدها هزؤا" أي اتخدها وسيلة ليسخر من دين الله، "أولئك لهم عذاب مهين" أي يهينهم الله عز وجل في جهنم كما سخروا من دين الله، ويتبين من الآية التي بعدها أن المقصود هم الكفار، لأن الله تعالى لم يعد هذا النوع من العذاب إلا للكافر.

"ليكونن من أمتي" أي ليس كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب هنا في المستقبل، أي ستأتي فئة من أمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، "أقوام" أي كثير من المسلمين، "يستحلون" أي يرون ذلك حلالا، "الحر" وهو الفرج المحرم، أي يرون أن الزنا حلال وقد حرمه الله، "الحرير" وهو محرم على الرجال، يرونه حلالا أيضا، "الخمر" وهو كل ما يذهب العقل سواء كان مشروبا أو مأكولا أو غير ذلك، "المعازف" وهي الملاهي عند العرب أي الآلات الموسيقية.
"زفت" أي أعدت العروس للزفاف، "الأنصار" وهم فئة من السلف الصالح مدحهم الله عز وجل في كتابه، ﴿وَالسّابِقونَ الأَوَّلونَ مِنَ المُهاجِرينَ وَالأَنصارِ وَالَّذينَ اتَّبَعوهُم بِإِحسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم وَرَضوا عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنّاتٍ تَجري تَحتَهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها أَبَدًا ذلِكَ الفَوزُ العَظيمُ﴾ ، "ما كان معكم لهو" أي أليس عندكم لهو، وهو الغناء عند العرب، "فإن الأنصار يعجبهم اللهو" أي نفوسهم تميل لسماع الغناء، وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة رضي الله عنها، وإن لم تكوني يا عائشة تحبين سماع الغناء، فهم يحبون سماعه.

بعد التمعن في هذا الأدلة سيكون من الكذب على الله وتحريف لشريعته لو أصدرنا حكما مطلقا للموسيقى أو الغناء، لأن الأدلة متعارضة، فلا يجوز القول أنها حرام مطلقا أو حلال مطلقا، إنما الصواب أن نقول حكمها يحتاج إلى تفصيل.

فالآية من كتاب الله تخص الكفار وليس المسلمين، فلا يعقل أن ينتج مسلم أغنية يدعو فيها إلى الكفر أو إلى المعاصي، وهذة من السيئات الجارية التي لا تموت ولو مات صاحبها، أما إذا كانت أغنية تدعو إلى الإسلام أو مكارم الأخلاق فلا شك أنها من الحسنات الجارية، الأغاني ولو كانت لهوا فهي من القوى المؤثرة، قد يسمع الكافر أغنية أنتجها مسلم فيعتنق الإسلام، والعكس صحيح، قد يسمع المسلم أغنية أنتجها كافر فيصير كافرا، وقد كثر الإلحاد في زمننا، لهذا أعد الله عذابا مهينا لمن يستعمل الأغاني ليضل الناس عن سبيله.

أما الأقوام من أمة النبي صلى الله عليه وسلم الذين يستحلون الزنا والحرير والخمر والمعازف فهم الفسقة أي الخارجون عن طاعة الله ولو كانوا يوحدون الله تعالى، وهذا بسبب الجهل بشريعة الله، فالزنا حرام وهذا معروف في كتاب الله، والحرير حرام وهذا معروف من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والخمر كذلك، أما المعازف ففيها نظر، المعازف هي الملاهي و الأنصار يحبون اللهو، والأنصار من السلف الصالح، لو كان اللهو حراما مطلقا ما سمعه الأنصار رضي الله عنهم، فالإشكال هنا هو كيف يقول النبي صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء الأقوام سيستحلون الملاهي بعد حرمتها و الأنصار يحبون اللهو، اختلف الكثير في هذة المسألة، فهناك من يفتي أن الغناء حلال بلا موسيقى، وهذة فتوى باطلة تردها الآية من كتاب الله، فلهو الحديث هو الغناء، واللهو قد يعني الغناء وقد يعني الموسيقى بلا غناء، فاللهو المصحوب بالحديث أي الغناء أقرب للتحريم من اللهو الخالي من الحديث، يعني الغناء أقرب للتحريم من الموسيقى، لأن الكلام قد يفتن الناس عن دين الله أو قد يدعوهم لدينه، و البعض يفتي أن سماع الغناء يحلل في المناسبات فقط مثل الأعياد أو الزفاف، وهذه فتوى غريبة، كالذي يقول أن أكل الحلوى حلال في المناسبات فقط، ومثل هذه الفتاوى تسبب التناقضات عند الملحد أو حتى المسلم، فيطعنون في دين الله بسبب هذا، للخروج من هذة المتاهة، كلام الله واضح، وهناك قاعدة في التأويل أن القرآن يفسر بالحديث و الحديث يفسر بالقرآن، فيكفي أن نفسر هذا الحديث بالقرآن، لأن كلام الله لا يتناقض مع كلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

فيكون تأويل ذلك هو أن المعازف التي يستحلونها هي لهو الحديث الذي يضل عن سبيل الله، واللهو الذي يحبه الأنصار هو اللهو الذي لا يضل عن سبيل الله، فالأغاني حرام إذ كانت تضلك عن سبيل الله، حلال إن لم تكن كذلك، قضي الأمر والله أعلم.